(مقتطفات من كتاب صديقي الله الذي كتبه زياد رحباني عندما كان في عمر الثانية عشرة)

 

أنا صغير

ولسادس مرة أطفئ الشموع

ما أحلى الحياة عند إطفاءة شموع السادسة!

ما أعرف؟

لا أعرف شيئاً!

لا أعرف إلا أن لي بيتاً بجدران

سريراً وصورتين

خبزاً وماء لا غير...

.

 

 

وقالوا يوماً أن الله صديقي

ورحت أفتش عن صديقي

في الأحراج... بين الزهور

في الأشجار المورقة، وراء الصخور

وخافت مني العصافير وهربت

ترى صديقي كالعصافير، خاف مني وهرب؟؟

وسألتهم: صديقي، هل يخاف؟

قالوا: يخاف ألا تحبه

وقلت: أين هو؟

قالوا: في كل مكان

 

إذا جئت يا صديقي

فنذهب إلى الأحراش

نذهب إليها، نسرقها، ونقول إنها لنا

لي ولك

لا أحد يسمعنا

إذا أردت أن تأتي فتعال قبل الشتاء

في الشتاء، طريق المجيء مغلقة

وطرق السفر عليها أناس كثيرون

لا يبكون، لا يضحكون

إنهم مسافرون

وعصافير تنتظر موكب الريح

هل يصل صوتي إليك عبر كل هذه الأوراق المتساقطة؟؟

 

وكان المساء فسألتهم

كيف تظلم الدنيا، وصديقي ما زال يلعب في الأحراج

ولم يرجع إلى بيته؟

فقالوا: ليس له بيت

كل البيوت بيوته، ولا يسكنها

وسألت: أين يسكن؟

فقالوا: يسكن النفس

وعرفت أن صديقي وردة لا تطال

أعلى الورود وأجملها

 

أفقت هذا الصباح على صوت آخر البلابل

فالشتاء أتى اليوم

يوم علمت أنه لا يُطال

لماذا أخبرتموني أنه بعيد؟

ليتكم كذبتم علي

أنظر من شباكي فأرى الأرض تدفن الألقاب الحلوة

فما بعد موعدنا وما بعد حبيبي

أنظر من شباكي

فالأشجار تود كل واحدة لو تنام على الأخرى

وتناديها يا أمي

أتي فصل التشرد والبعد

 

عندما أرسلوني يوماً إلى المدرسة

وكنت أنتظر ساعة الرجوع

علموني هناك أن أحكي مع الله، صديقي

علموني أن أصلي

ما كانت تقوله لي أمي قبل أن أغفو في السرير

والريح في الخارج تخرب العالم

ما كانت تقوله كان أحلى

 

أحببتك أكثر مما علموني في الصلاة

أنا ألف مرة يخطر ببالي

أن أناديك بصوت بسيط

أين أنت يا ربي؟

أنا لم أعرفك تحمل صلباناً وتموت من أجلي

أنا عرفتك ولداً لا يقدر أن يحمل الصليب

أنا عرفتك ولداً يطير كالفراش فوق الزهر في الصباح

ولداً أضاع في كل غابة شالاً

فسكنته العصافير

أنا لم أعرفك تتعذب

أنا عرفتك ولداً لو تركوه يلعب

ونسوا أن يقولوا له: مضت أيام وأنت تلعب

لظل يلعب طوال حياته ولا يضجر

 

لا أريد أن أصلي إلا ما أفهمه

لا أريد أن أصلي

دعوني أصرخ

فوق الجبال الصخرية

في الوديان الساكنة

فتصرخ معي

أين أنت؟

دعوني أخبر الشجر قصة صديقي

هذه هي صلاتي

 

لو عددت درجات بيتي

وكم مرة صعدتها

لكان هذا درجاً طويلاً

يخترق السحب

ولو عددت ضحكات أمي لي

لرافقتني طوال صعودي!

ودفقت من بعدي الضحكات على الدرج

وأزهرت زهراًّ!

 

اخترت اسماً مختلفاً عن كل الأسماء

حتى إذا ندهتني

صرخت وحدي: نعم

وما ظننت النداء لغيري

لأقول نعم

من بين صراخ الأولاد

وأرجل المحاربين

اخترته اسمي مختلفاً

حتى إذا كنت نائماً أفقت وقلت: من يناديني؟

إن كنت أختبئ عن عيون الأولاد

ونحن نلعب، تناديني

أقول: نعم!

ويعرف مكاني الأولاد...

 

اخترت يا ربي اسماً مختلفاً

حتى إذا ندهتني، صرخت وحدي نعم

وما ظننت النداء لغيري

 

تلبس أمي فستاناً جديداً، وتسألني

هل جميل فستاني؟

وأقول لها: إنه جميل جداً

وكثيراً ما تسألني عن غيره، وأجيبها:

إنه جميل جداً

ومرة قالت أمي: تجيبني دائماً حلوة الفساتين

فهلا خجلاً؟

قلت:

في دنيانا يا أمي

لا يوجد فستان بشع

ما دام لكل فستان واحدة تحب أن ترتديه

 

لأنك ضحكت، نحن في الوجود

ضحكت يوماً، فتفجرت من ضحكتك الناس والأطفال

 

إن لم أكن فرحاً، لا أستطيع أن أصلي

ما من مرة صليت

إلا وفي قلبي عصفور يلعب

وغصن يلوح

 

 

 

أتحداك بالخطيئة، تتحداني بالحب

وأسكت

لأننا، أنت الحب، وأنا لست الخطيئة!

 

لا يعود الشيء مخيفاً، إن صرناه!