قليل هذا النبيذ..

وهذه الأزهار أكبر من سريري

فافتح لها الشباكَ كي يتقطَّر الليل الجميل

ضع،  ههنا قمر على الكرسيِّ 

ضع فوق البحيرة حول منديلي ليرتفع النخيل

أعلى و أعلى

هل لبست سواي؟

هل سكنتك امرأة ٌ

لتجهش كلما التفت على جذعي فروعك؟

.

 

حكّ لي قدمي و حكّ دمي

لنعرف ما تخلفه العواصف و السيول

مني و منك…

تنام ريتا في حديقة جسمها

توت السياج على أظافرها يضيء الملح في جسدي.

   أحبكَ! نام عصفوران تحت يدي

نامت موجة القمح النبيل على تنفسها البطيء

ووردة حمراء نامت في الممر

و نام ليل لا يطول

و البحر نام أمام نافذتي على إيقاع ريتا

يعلو و يهبط في أشعة صدرها العاري

فنامي!

   بيني و بينك، لا تغطي عتمة الذهب العميقة بيننا

نامي يداً حول الصدى

و يداً تبعثر عزلة الغابات، نامي

بين القميص الفستقيِّ و مقعد الليمون، نامي

فرساً على رايات ليلة عرسها…

    هدأ الصهيل

هدأت خلايا النحل في دمنا

فهل كانت هنا ريتا؟

           وهل كنا معا؟

     أتأخذني معك؟

فأكون خاتم قلبك الحافي؟

أتأخذني معك؟

    فأكون ثوبك في بلاد أنجبتك لتصرعك؟

        وأكون تابوتاً من النعناع يحمل مصرعك؟

            و تكون لي حياً و ميتا؟

ضاع يا ريتا الدليل

و الحب مثل الموت، وعدٌ لا يردُّ و لا يزول…

    ريتا تعد لي النهار

حجلاً تجمَّع حول كعب حذائها العالي:

                             صباحُ الخيرِ يا ريتا!

و غيماً أزرقاً

          للياسمينة تحت إبطيها:

                   صباحُ الخيرِ يا ريتا!

و فاكهةً لضوء الفجرِ:

                   يا ريتا صباح الخير!

يا ريتا أعيديني إلى جسدي

لتهدأ لحظةً إبر الصنوبر في دمي المهجور بعدك

كلما عانقتُ برجَ العاج فرَّت من يديَّ يمامتان…

      قالت: سأرجع عندما تتبدل الأيام و الأحلام

يا ريتا!

          طويلٌ هذا الشتاء

و نحن نحن، فلا تقولي ما أقول، أنا هي!

                   هي من رأتك معلَّقاً فوق السياج

          فأنزلتك و ضمدتك

                   و بدمعها غسلتك

          و انتشرت بسوسنها عليك

و مررت بين سيوف أخوتها و لعنة أمها

          وأنا هي

فهل أنت أنت؟

          تقوم ريتا

       عن ركبتيَّ، تزور زينتها

          و تربط شعرها بفراشة فضية

ذيل الحصان يداعب النمش المبعثر

كرذاذ ضوءٍ داكن فوق الركام الأنثوي

تعيد ريتا

          زرَّ القميص إلى القميص الخردلي

     أأنتِ لي؟؟

لكَ لو تركت الباب مفتوحاً على ماضٍ!

          لي ماضٍ

أراه الآن يولد من غيابك

 من صرير الوقت في مفتاح هذا الباب

لي ماض أراه الآن يجلس قربنا كالطاولة

          لي رغوة الصابون

                   والعسل المملّح، و الندى، و الزنجبيل

          و لكِ الأيائل إن أردتِ، لك الأيائل و السهول…

          و لكِ الأغاني، إن أردتِ، لكِ الأغاني و الذهول

إني ولدت لكي أحبك…

      فرساً ترقِّصُ غابةً، و تشقُّ في المرجان غيبك!

وولدتُ سيِّدةً لسيِّدها، فخذني كي أصبك

خمراً نهائياً، لكي أشفى

          منكَ فيكَ، و هات قلبك!

      إني ولدت لكي أحبَّك!

           و تركت أمي في المزامير القديمةِ

          تلعن الدنيا و شعبك

  ووجدت حرَّاس المدينة يطعمون النار حبك

      و أنا ولدت لكي أحبك.

 

ريتا تكسِّرُ جوز أيامي، فتتسع الحقول

  لي هذه الأرض الصغيرةُ، غرفة في شارعٍ

    في الطابق الأرضي من مبنىً على جبلٍ

      يطلُّ على هواء البحر

لي قمرٌ نبيذيٌ، و لي حجر صقيل

  لي حصَّةٌ من مشهد الموج المسافر في الغيوم

    و حصةٌ من سفر تكوين البداية

      حصَّةٌ من سفرِ أيوبٍ، و من عيد الحصاد

        و حصةٌ مما ملكت و حصةٌ من خبز أمي

  لي حصةٌ من سوسن الوديان

     في أشعار عشَّاقٍ قدامى…

 

ريتا سترحل بعد ساعاتٍ، و تترك ظلَّها

          زنزانةً بيضاءَ…

   أين سنلتقي؟؟

          سألت يديها، فالتفتُّ إلى البعيد

البحر خلف الباب

      و الصحراءُ خلف البحر…

  قبِّلني على شفتيَّ

          قالت…

قلتُ: يا ريتا… أأرحل من جديد؟

ما دام لي عنبٌ و ذاكرةٌ، وتتركني الفصول

  بين الإشارة و العبارة هاجساً؟

          ماذا تقول؟؟

لا شيءَ يا ريتا، أقلِّدُ فارساً في أغنية

عن لعنة الحبِّ المحاصرِ بالمرايا

          عنِّي؟؟

 وعن حلمين فوق وسادةٍ يتقاطعان و يهربان

فواحدٌ يستلُّ سكيناً، و أخرُ يودع الناي الوصايا

          لا أدركُ المعنى!

     تقولُ…

 ولا أنا

             لغتي شظايا

    كغيابِ امرأة عن المعنى، و تنتحر الخيول

         في أخر الميدان…

ريتا

تحتسي شاي الصباح

و تقشِّرُ التفاحة الأولى بعشر زنابقٍ

و تقول لي:

     لا تقرأ الآن الجريدة!

          فالطبول هي الطبول

والحربُ ليشت مهنتي  

          و أنا أنا… هل أنت أنت؟

أنا هو!

          هو من رآكِ غزالةً ترمي لآلئها عليه

            هو من رأى شهواته تجري وراءك كالغدير

              هو من رآنا تائهين توحُّداً فوق السرير

       و تباعداً كتحيَّة الغرباء في الميناء، يأخذنا الرحيل

في ريحه ورقاً و يرمينا أمام فنادق الغرباء

مثل رسائل قرأت على عجلٍ

لي حصةٌ من حكمة العشاق:

          يعشقُ وجه قاتله القتيل

لو تعبرين النهر يا ريتا!

          و أين النهر؟؟

     قالت…

              قات: فيكِ و فيَّ نهرٌ واحدٌ

      و أنا أسيلُ دماً و ذاكرةً أسيل

لم يترك الحرّاس لي باباً لأدخل

فاتَّكأت على الأفق

ونظرت تحت

        نظرتُ فوق

            نظرتُ حول

فلم أجد أفقاً لأنظر

لم أجد في الضوء إلا نظرتي ترتدُّ نحوي

قلتُ: عودي مرَّةً أخرى إليَّ

فقد أرى أحداً يحاول أن يرى أفقاً

يرممهُ رسول

       برسالةٍ من لفظتين صغيرتين:

                   أنا و أنت…

فرح صغيرٌ في سرير ضيقٍ… فرحٌ ضئيل

لم يقتلونا بعد يا ريتا، ويا ريتا

ثقيلٌ هذا الشتاء و باردٌ…

          ريتا تغني وحدها

    لبريد غربتها الشمالي البعيد:

          تركت أمي وحدها…

               قرب البحيرة وحدها،

          تبكي طفولتها البعيدة بعدها

      في كل أمسيةٍ تنام على ضفيرتيَ الصغيرة عندها

أمي…

       كسرتُ طفولتي

 و خرجتُ امرأةً تربي نهدها

                   بفم الحبيب!

تدور ريتا حول ريتا وحدها

لا أرض للجسدين في جسدين، ولا منفى لمنفى

في هذه الغرف الصغيرة

و الخروج هو الدخول

عبثاً نغني بين هاويتين…   فلنرحل!

ليتضح السبيل

          لا أستطيع!

      ولا أنا!

     كانت تقول ولا تقول

و تهدِّئ الأفراس في دمها:

          أمِن أرضٍ بعيدة

                تأتي السنونو

       يا غريب

          و يا حبيب      

إلى حديقتك الوحيدة!

         خذني إلى أرضٍ بعيدة

         خذني إلى الأرض البعيدة!

   أجهشت ريتا:    طويلٌ هذا الشتاء

و كسَّرتْ خزف النهار

      على حديد النافذة

وضعت مسدسها الصغير

على مسوَّدة القصيدة

ورمت جواربها على الكرسي

         فانكسر الهديل

    ومضت إلى المجهول حافيةً

        و أدركني الرحيل…