نفَّرت طيف النسك عن أهدابي
فسكبت في شفتيك خمرَ شبابي

وعدوتِ بي حد التُّقى، وتركتِني
للغي، للأهواء، بعد متابي

فدرجتُ في شعب الحياة، تقودُني
نزعاتُ هذا الأرعن المتصابي

وحنوتُ أرتشفُ اللهيبَ، وجمرُهُ
أولى بها، ورحيقُه أولى بي

بلَّلتُهُ بدمي، بنار عواطفي
بندِيِّ أحلامي، بطيبِ رغابي

غنَّيتك الدنيا نشيداً عاطراً
يا أم نعمائي، وسرَّ عذابي

 

نامي على سُبَح المنى في ساعدي
مُرتجَّة، كخواطر المرتابِ

نامي، فوسوسة الدجى في مسمعي
وتنهُّد الأوراد في أثوابي

نامي لتَشهد مُقلتي دُفقَ السَّنى
في الناهدِ المُتَعَطِّش الوَثَّابِ

صنمٌ من الوهج الندي، معطّرٌ
بطِرٌ، تهدهده الغوايةُ، رابِ

لما علقتُ به، غفوتُ وفي يدي
دنيا من الأنوار والأطيابِ

غُضي جفونك واسكبي خمر الهوى
في مرشفيَّ وعلّلي أصحابي

العازفين عن الأسرّة مُهِّدت
والحالمينَ على ذراعِ الغابِ

تتلألأ النّعماء في قسماتهم
وتُطل خلف معاقد الأهدابِ

سبحان من جعل التعلّة جنةً
في الكوخ -دار البؤس- للحطَّابِ

 

****

في الحقل، حيث الله يسكب روحه
بللاً على الأورادِ والأعشابِ

نغفو على مقل السكون ونرتمي
في لجِّ حلمٍ ثائرٍ صخَّابِ

حرمُ الهوى الطاغي أطوفُ حياله
ومرغتُ أجفاني على الأعتابِ

 

***

سلَبَتْ نُهايَ وخافقي عربيةٌ
والحسن، كلُّ الحسنِ، في الأعرابِ

خطبَ الأولى يدَهَا، فكيف تمنعَّت
وترفَّعت عن سادةِ الخُطّابِ؟

حتى إذا تعب الزمان توقعت
ليلى مجيءَ الفاتحِ الغلّاب

وتحلّت الدنيا، فكل ثنيِّةٍ
تتنظّر اللقيا مع الأحباب

 

***

عنت الحقيقة في المعرَّة لابنها
وتبرّجت للمادحِ المُغتابِ

للثائرِ الحنِقِ، الرّحيمِ فؤادُهُ
للمؤمنِ، المتشكّكِ المُرتابِ

للناشد الحقَّ الصراحَ ولو مشى
من فوق ألف شريعةٍ وكِتابِ

صدَقَت نبوءَتُهُ، وقالوا: كاذبٌ
آمنتُ بالمتنبِّئ الكذّاب

***

ورأيتُها خَطرت تُصعِّر خدّها
كِبَرَاً على الحلّاج، والفارابي

ظمِئَا، وفاتهُما المعين، ودونُهُ
لفحاتُ هاجرةٍ ولَمع سرابِ

ورأيتُ بنتَ هواي تسخرُ منهما
وتضيع بين السَّلبِ والإيجابِ

***

وتذوّق الخَيّامُ خمرَ جمالِها
وسعى بسلسلهِ على الشُرَّاب

العمرُ! ليسَ العمرُ غير سُلافةٍ
وحبيبةٍ، وقصيدةٍ، وربابِ

 

***

ومع العقائل في الحجيج ظعينةٌ
علقت بها عينا أبي الخطَّابِ

حتى إذا غاب "القُمير" ونام من
في الحي من حرسٍ ومن حُجابِ

طرقَ الخباءَ، فراعَها، وتبرجَّت
مرتاعةً للطارقِ المُنتاب

وتصرَّم الليل الغويّ علالةً
ودعابَ ذي غزلٍ، وغيرِ دُعابِ

ويسير بين ثلاثةٍ مترقباً
متنكر الخطوات والجلباب

وسُئلتُ عن "عمرٍ" وعن "نعمٍ"، وهل
أثما بها فعلاً؟ وكانَ جوابي:

 

***

أبت الحقيقة أن تبيح جمالها
في الناس، رُب غباوةٍ وتغابي

مدَّت لك الأسبابَ غير ضنينةٍ
ووقفت دون الأخذ بالأسبابِ

والعاشقون؟ منعَّمٌ وميمِّمٌ
يمشي فيعثر في الطريقِ، وكابِ

حضروا، وغيَّبهم توقُّدُ نورِها
عنها، فيا للحضِّر الغُيّابِ!

العدل ما اشترَعَتْ، ورُبَّ عدالةٍ
خرقاء بنت أسنةٍ وحرابِ

وتمرَّغت بالموبقات، ولا ترى
ما الفرق بين الحان والمحرابِ

جارت على الجدِ البريءِ ولم تَجِد
للنفسِ ذات الإثمِ أي عقاب

والخمرُ إن خَبُثت على شفة امرئٍ
طعماً، فأي الذنب للأكوابِ؟

أمن العدالة أن يؤجّج في دمي
لهبُ الجحيمِ، ولا يُساغ شرابي؟

يا مبدع الحمل الوديعِ خلقتَهُ
للروعِ، للأظفار، للأنيابِ

***

القصرُ يطفح بالجلال، وكلُّ ما
في القصر مزدحمٌ على الأبوابِ

والأصفياء على الأرائك، شأنُهم
عبث الهوى وتبادلُ الأنخاب

يا عار لولا الأمس كنتُ مسحتُ عن
عطفيك زهو حقارةِ الألقابِ

يا عار عذبني الضمير، ولم أعد
أقوى على وخزاتِه وعذابي

يا عار، يا خجل الضمير ترفعت
وصغرتِ عنها لعنتي، وعتابي

ولقد تجوز الأربعين خلاعةً
بنت الهوى، وتظل في العزّاب

بالإثم، باللعنات يطفحُ دربُها
بالعار تمسحُ وجهها، بالعابِ

***

الشرقُ منتحرٌ على قدم الدّجى
خضبٌ يمجّ عصارة العنَّاب

وشبعتُ من "كرز الإله" تديرهُ
شفتا ملونةِ الغناج، كعابِ

وتمر سابيةً، وأي شمائلٍ
للهيفِ، للعطِراتِ، غير سوابي؟

وأراكِ غاديةً فيسجد في دمي
ذلُّ العبيدِ لعزة الأربابِ

مطرت على الدنيا خطيئة آدمٍ
قطراتِ غيثِ مراحمِ التوّابِ