لا يحتاج المبدع عموماً، كي يُعمد ويحدث كمبدع له أثره العميق في مجتمعه إلى المعاناة الجارحة. بحسب ماهو سائد في تعريفات وجوب حادثة الإبداع والمبدع. لكن ما يقابل هذا هو أن وجود المعاناة المعيشية والحياتية التي تربض فوق صدر المبدع بشكل مبكر من سنوات حياته، وممارستها لقسوتها اليومية عليه، لابد وأن توسع من مساحة "المفارقة" "بين طلاوة وحلاوة المشهد الحلمي لاجتراح حياة جديدة، وبين ممارسة الحياة اليومية لضراوتها وقساوتها حد مضغ لقمة العيش".‏

 

.

 

ولعل هذه "المفارقة" على اتساع بون حفرتها بين ماهو مشتهى وحالم لتحقيق حياة كريمة، وبين حياة تسدد ضرائبها جهداً وعرقاً كل صباح، هي التي تخلق فن "المفارقة" في الكتابة ذاتها.‏

ولأن القصة القصيرة كنهج إبداعي، أو كتقنية إبداعية تعتمد أساساً على فن "المفارقة" أو على قدرة اجتراحها بذلك الشكل العميق والمدوي لحدوثها، فإنه كان من الطبيعي جداً، أن يذهب الكاتب الدمشقي زكريا تامر إلى كتابة القصة القصيرة، باعتبارها تتطابق كفن مع المعطى الحياتي لزكريا تامر.‏

وزكريا تامر المولود في دمشق عام 1931، والخارج من حميمية الأزقة الدمشقية في حي "البحصة" كان عليه أن يقع في فخ الفاقة والفقر مبكراً، إذ أنه وفي الوقت الذي كان على الطفل زكريا أن يُشيد مشهده الإبداعي المبكر في الحارة الدمشقية التي كانت وما زالت تبعث على الدهشة، والإلحاح في تخليق الكتابة والإبداع في ذلك الوقت الدسم من عمر الطفولة اضطر تامر إلى ترك المدرسة عام 1942، والعمل في معمل خاله لصناعة "الموازين".‏

إنها المفارقة الأولى بين مطرقة الحداد التي تُلين الحديد المنصهر وبين اليد الطفلية الطازجة التي تحلم بالإمساك بقلم ممتلئ بالحبر كي تصوغ مشهدها، وأية قسوة هذه في المفارقة التي تضع المبدع بين قواه البدنية القادرة على تطويع الحديد، وبين قواه الروحية القادرة على تطويع المشهد الحياتي الجلف وتحويله إلى قصة تقرأ.‏

إن هذا سوف يقود زكريا تامر لاحقاً إلى خيار القصة القصيرة كنهج كتابي، كما سيقوده إلى الانتماء لطبقة كادحة ظل التاريخ يقضم روحها ويتجشأ بأنبائها.‏

وخيار الكدح عند زكريا تامر قاده إلى الانتماء إلى الحزب الشيوعي لكن الضجة العميقة التي أحدثها الكدح في روحه ككائن دمشقي سوف يتعارض مع رموز هذا الحزب، إلى درجة الافتراق، لا بل إلى درجة الكفر بكل الأحزاب. حدث هذا وربما بسبب شعور تامر كمبدع أنه كادح يبحث عن عدالة كونية هي أكبر من أي أجندة حزبية أو ثورية.‏

وظلَّ تامر لا يرتهن إلا للإبداع والقصة، ومقارعاً حقيقياً لكل من يحاول أن يثلم روحه الوثابة للكتابة، وفي هذا يقول عنه صديقه محمد الماغوط: "بدأ زكريا تامر حياته حداداً شرساً في معمل، وعندما انطلق من حي البحصة في دمشق بلفافته وسعاله المعهودين ليصبح كاتباً، لم يتخل عن مهنته الأصلية، بل بقي حداداً شرساً ولكن في وطن من الفخار، لم يترك فيه شيئاً قائماً إلا وحطمه، ولم يقف في وجهه شيء سوى القبور والسجون لأنها بحماية جيدة".‏

زكريا تامر الذي كتب مجموعات قصصية مثل: صهيل الجواد الأبيض، والرعد ودمشق الحرائق والنمور في اليوم العاشر وسنضحك، والحصرم، وربيع في الرماد، وتكسير ركب، وهجاء القتيل لقاتله، وأخيراً "القنفذ" (الصادرة حديثاً عن دار الريس، لم يتخل عن نهج القص، ذاهباً نحو خيارات كتابية ظلت تدغدغ القاص العربي في الذهاب نحو قنوات إبداعية أخرى كالرواية مثلاً، بل ظلَّ يؤمن بأن القصة القصيرة هي خياره الوحيد الذي جعلته يقول عنها: "القصة القصيرة هي بحق الغرفة الأنيقة التي تحتاج إلى ذوق رفيع وحساسية مرهفة لتأثيثها بعناية فائقة".‏

وقد استطاع زكريا تامر عبر تجربته القصصية التي بدأت مع مطلع الستينيات من القرن الفائت أن يجترح أسلوبه الخاص في كتابة القصة، ذلك الأسلوب الذي يذهب ناحية الحادثة البسيطة حد الأمية واستدعاء الإهمال والتجاوز، كي يثورها، ويعمق حدوثها فيما يشبه الأسطرة القادرة على إقناع القارئ بجدوى أبدية حدوثها في الحبر والإبداع.‏

ويمكن القول بأن زكريا تامر كان هو الرائي الحقيقي. لابل زرقاء يمامة القص حين قدم رؤيته في قصة قصيرة هي "النمور في اليوم العاشر" .. والذي اختصر فيها نبوءة ترويض أمة عربية كاملة في قفص، في زمن كانت فيه نبوءة ترويض طاقة التحدي والمناددة عند العربي مستحيلة.‏

وزكريا تامر الذي توزعت روحه الإبداعية في أكثرمن جغرافيا كان أهمها إقامته الحالية في مدينة أكسفورد البريطانية وزياراته القصيرة إلى دمشق، ظلَّ أميناً رغم سنواته التي بلغت خمسة وسبعين عاماً لطفولته الدمشقية. ومن يقرأ مجموعته القصصية الأخيرة "القنفذ" التي يرويها طفل، سوف يدرك عمق الثأر الإبداعي لمبدع اكتوت طفولته بنار الحدادة ووهجها، ليسترد هذه الطفولة بالشكل الأنيق الذي يريده،ويعيد إنتاجها بكل هذا البهاء الدمشقي، وبكل هذا الحنين للحارة الدمشقية التي تظل معتقة بالطفولة والياسمين.‏