(بقلم: د. علي محمد)

أنحنا ولاد بلد... نقعد نقوم على كيفنا!

 

عجيبة هي جغرافيا القرن الحادي والعشرين، بعجزها ونفاذ حيلتها! وحيث أنني، وأنا البعيد آلاف الكيلومترات، لا أزال مربوطاً من عنقي بكم، ولا أزال عاجزاً عن أن أبدأ يومي إلا بكم، وقد مر أكثر من عام ونصف على المرة الأخيرة التي رقصت فيها على "فاجأني النهار"، فما أعجزها إذاً، جغرافيا القرن الواحد والعشرين!

 

.

 

أتذكر، منذ أكثر من ست سنوات، حين رأيتكم للمرة الأولى في منتزه النيل الأزرق. يومها لم أكن بعد قد عرفت هذه الأغنية، ولكنني بكيت لها! فلتكن هي إذا رسالتي إليكم!

 

 

نحنا.. أهل الفرحة جينا!

ربما كان هذا ما جلبكم إلى الجميع في الأساس. وهو حقيقي! هل أكثر حقيقية من أن يكون أولئك، حاملوا الألم الأكبر، أبناء حاجة آمنة الذين سفوا باقي الرطيل، وجاعوا، هم أهل الفرحة؟؟

 

لما درب الرايحة جابنا...جابنا في هذي المدينة..

ودربي أنا أخذني إلى هذي المدينة! وهئنذا أكتب إليكم، من دمشق، وأوحالها ليست أقل بطشاً من أوحال الخرطوم الحبيبة. ولا فقراؤها أقل جوعاً، ولا فتياتها أقل حاجة للتبتبة.

 

وأكتب إليكم، وأنا من حملكم حول عنقه عقد جلاد. أسير ورائحة القط البري تخبر عن إفريقيتي التي تستوطن جسدي المتوسطي الأسمر. فهلا خففتم من وطأتكم على عمودي الفقري الناحل؟ وهلا أعطيتم إنسانيتي الفرصة لتتمالك أنفاس إنسانيتها، ولتبقى يوماً واحداً فقط دون عبء محبتكم، ودون الوجع القاهر من تذكر الشوارع، والمستشفيات، وستات الشاي والتسالي؟

 

أقاطع الأغنية قليلاً، لأخبركم أنني اكتشفت بعد رحيلي عنكم كم أنا مرتبط بالروائح، وكم أن ذاكرتي، السمعية أحياناً، والمغالية في البصرية، هي أيضاً "شمية"! وأن اسم الخرطوم يرتبط عندي برائحة النيل، وأن المطر لا يمر دون أن يذكرني بروائح البول المتراكم في زوايا الشوارع، وعوادم عربات المواصلات!

 

 

يا ولدي الدروب

شقاقة بحر التيه...

 

وهل من يعرف ذلك أكثر مني؟ هل من يمكن أن يدعي أنه أخبر بالدروب، وأكثر انغماساً في غبارها ووقوعاً في حفرها مني؟

وربما أيضاً، ومرة أخرى، ربما كان واحداً من ملايين الأسباب التي تجعلني أدوخ كلما تذكرتكم. لقد تخلصت من دوار العربات منذ الطفولة، إلا أن دوار الدروب لم يتخلص مني. في طفولتي، لطالما لبست حذائي بالمقلوب، الأيمن مكان الأيسر. كانت أمي تضحك دائماً، وتقول لي أنني أبدو وكأن كل قدم من قدمي تسلك طريقاً مختلفاً عن الأخرى. لم تعلم أنها بهذا رسمت طريقي في الحياة، وأن قدماي فعلاً ستختلفان على الدروب، وأن شوارع الخرطوم اللا أرصفة لها ستستدعيني يوماً، إلى مكان حيث أحتاج مئات الأقدام، ومئات الأحذية، ودرب ولا دربين!

 

مساك الدروب ضهاب!

ليك قلب ولا بالين

سواي القلوب كداب

ليك ضهر ولا سرجين

ركاب السروج وقاع!

 

ولكن!

هل لي أن أختلف معكم هنا؟ فأنا أرى، وأنا أخاطبكم، أنكم أنتم، ركابوا السروج القوامون. وأنا ركاب السروج الوقاع خير بملايين المرات ممن يخاف محاولة الركوب، ولو على سرج واحد!

 

أعترف إذاً، أنا ركاب السروج الوقاع الفخور، وسأظل أقفزها قفزاً، من جانب إلى جانب، ومن سقوط رهيب إلى سقوط قاتل. ولست بنادم على خطو "تملي مشيتو لقدام.." ولن أتوقف، طالما أن هنالك من هو مثلكم، من ركب البيز غيتار كعثمان النو، وقفز العود والصوت الآسر كشمت، ووقع، كأميمة!

 

اشتقت إليكم، وعبركم تحيتي إلى الخرطوم الحبيبة، وشهوتي للقراصة، وحبي الجنوني للحر، والتعرق العفن، والبشر!

 

علي محمد

سورية، اللاذقية

27/4/2007