(كتبت هذه المقالة عشية غزو العراق، بقلم د. علي محمد)

 

إذا كان الرئيس الأمريكي جورج بوش يعتقد أن العرب يمكن أن يصدقوا كلامه عن نشر الديمقراطية في العراق وتحريره من الديكتاتورية وتطويره إقتصادياً، إلى آخر هذه القائمة الطويلة، فهو مخطئ. من يزاود على العرب هو كمن يبيع الماء في حارة السقائين، والشعوب العربية تعرف تماماً كيف تفضح هذه الأكاذيب، بعد أن دربتها حكوماتها (مشكورة) على هذا طوال الخمسين عاماً الماضية أو تزيد. وكأن الشعب العربي لم يكفه من مزاودات حكوماته وصحافته وثواره ومجاهديه، حتى تأتي أمريكا وتتربع فوق الجميع، وتزاود على قلبه أكثر من الجميع.

 

.

 

ولذلك فهو يعرف مثلاً أن كولن باول عندما يتحدث عن المحافظة على آبار البترول من أجل الشعب العراقي، فهو يقصد حتماً المحافظة على الشيء الآخير الذي يمكن أن يسرق من هذا الشعب في المستقبل، بعد أن سرقت كرامته ولقمته وحياة أطفاله. لأننا كشعوب عربية لا يمكن أن نعيش إذا لم نقدم ما نملك لمن هب ودب على هذه الأرض المعطاء، حفاظاً على أصول الكرم العربي وما تقتضيه أخلاق الأجوايد. وأن دونالد رامسفيلد حين يتحدث عن حياة أفضل للشعب العراقي، فهو إنما يقصد تخليص هذا الشعب من من كل ما يعانيه على طريقة ملجأ العامرية في بغداد، بحيث يرتاح المواطن من كل همومه دفعة واحدة وإلى الأبد. وأن السيدة كوندوليزا رايس، مستشارة الأمن القومي (غير العربي طبعاً)، حين تتحدث عن نفاذ صبر العالم على النظام العراقي، إنما تقصد أن الطبخة التي ما زالت تُعد منذ الحرب العراقية الإيرانية قد نضجت أخيراً، وآن الأوان لأمريكا أن تمد السفرة الملوكية أمامها وأمام إسرائيل طبعاً، لتتغدى على ما تبقى من كرامة وحياة لهذه الأمة.

وإن قال قائل إن أمة لها هذا التاريخ الطويل من الأمجاد (يا قلبي لا تحزن) لن تقع فريسة سهلة، فليعلم أن الطيور العجائز هي الأفضل للشواء. وأن هذه المظاهرات والغضبات الشعبية العارمة التي تبشر بغد جديد أو مستقبل واعد أو مشرق سمِّه ما شئت، ما كانت لتملأ الشوارع العربية لولا مباركة الحكومات لها ودفعها باتجاهها، ليس كوسيلة للضغط طبعاً، فهم والحمد لله لم يضغطوا أحداً (سوى شعوبهم) منذ أن وزع عليهم النظام العالمي الجديد طناجر البرستو بثلاثة أقفال أمان وصفارة إنذار وكأنها أحد السجون العربية، بل كفشة خلق لهذه الشعوب لا أكثر ولا أقل.

وأغلق على نفسي الباب، وأغلق المذياع والتلفاز وحتى الأنوار، إذ ما الذي يمكن أن أراه أو أسمعه أكثر من ذلك؟

ولكن إلى أين أهرب؟

إذا استمعت إلى الموسيقى أستمع إلى سعدون جابر أو ناظم الغزالي أو نصير شمة.

إذا قرأت شعراً، أقرأ لبدر شاكر السياب أو مظفر النواب أو الجواهري.

وإذا هربت من الحرب والسياسة وفكرت في الحب، أفكر في مهدي جواد وآسيا الأخضر.

وإذا ضربت جبهتي بالجدار كي أنسى، فإنني لن أرى خمسة عصافير تدور حول رأسي وتزقزق، بل سأرى خمسة أعضاء دائمين في مجلس الأمن يدورون حول رأسي ويرقصون "العجكو".

العراق... العراق... العراق...

وحين أفكر بما سيلاقيه هذا الشعب المنكوب منذ رؤوس الحجاج التي أينعت وحان قطافها، أتساءل: ما الذي جناه هذا العشب حتى يستحق كل هذا؟

هل الشعب العراقي هو الذي أعلن الحرب على إيران؟

هل الشعب العراقي هو الذي اجتاح الكويت وأرسل السكود إلى الرياض وأبو ظبي؟

هل الشعب العراقي هو من جلس في حضن أمريكا مصدقاً صداقتها، واستنزف الخليج وأعطى الناتو الذريعة للوجود في الشرق؟

والجواب طبعاً هو لا. فإذا افترضنا أن ما فعله النظام العراقي منذ مهده وحتى اليوم، والذي أوصل المنطقة إلى ما هي عليه الآن، مجرد "أخطاء"، فإن الشعب العراقي ولا شك هو أكبر المتضررين منها. ولأنني أعرف أننا شعوب ذات ذاكرة قصيرة الأمد، سأذكر الجميع أن النظام العراقي استخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه بالذات في الشمال. أليس من مفارقات التاريخ المضحكة المبكية أن تكون هذه الأسلحة بالذات هي الذريعة الآن في حرب ستحصد من تبقى واستطاع أن ينجوا من فتكها؟

أليس من المضحك أيضاً بعد كل هذا أن يجد أحدنا نفسه في صف هذا النظام، لأن عدوه الآن هو أمريكا؟

أنا شخصياً، لن أكون مع أي من الطرفين.

سأكون فقط مع الانسان العراقي الفقير والبسيط، والذي لا يجد في جيبه ما يكفي لشراء الوقود والطعام تحسباً لأيام الحرب الطويلة، والتي سيكون الخاسر الوحيد والأكبر فيها.

نعم، أنا مع الجوع والذل والهزيمة.

مع الورود الذابلة والبيوت المهدمة والسرائر الباردة.

مع نقص الغذاء ونقص المناعة ونقص الوعي. ومع البكاء الذي يذوب الأجساد بدون طائل.

مع زغاريد الأمهات الغبيات، اللواتي يسمين أبناءهن شهداء. شهداء من أجل ماذا يا أمي؟ من أجل القصور الرئاسية المنيفة أم البترول أم السلام والإستقرار الدوليين؟

شهداء الأنقاض فقط، لم يفعلوا شيئاً سوى أنهم استقبلوا السقوف المنهارة بصدورهم، كي يمنعوها عن أطفالهم وأمهاتهم العجائز يا أمي.

شهداء الشوارع الفارغة، التي لم تعد مواكب المسؤولين الكبار تمر فيها. وشهداء الغربة والسكتة القلبية لشعراء وفنانين و"بشر" لم يشاهدوا أرض العراق منذ سنين، وربما لا يبقى منها الآن ما يكفي لكي يشاهد، أو يسمى وطناً.

 

الخرطوم

16/3/2003